|
كن على اتصال دائم معنا بتحميل تول بار طريق الرسول (تم تحديث التولبار)
| |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| |||
| كتبه/ ياسر برهامي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد قال ابن القيم -رحمه الله- عن حب الله تعالى: "هو حياة القلوب، ونعيم الأرواح، وبهجة النفوس، وقرة العيون، وأعلى نعيم الدنيا والآخرة". فحب الله هو حياة القلوب؛ لأن القلبَ يحيا ويموت، وهناك قلوب حية وقلوب ميتة، فمن لم يذق حب الله -عز وجل- فقلبه ميت: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام: 122). وهو نعيم الأرواح لا نعيم الأبدان، بل أعلى نعيم يمكن أن يدركه الإنسان إذا وجد حب الله -عز وجل-، وهو بهجة النفوس فتبتهج النفوس وتفرح وتجد السعادة أعظم السعادة بحب الله -عز وجل-، وقرة العيون أي أنه تقر العيون به، أي تستقر وتطمئن، وتجد أعظم أنواع السكينة في حب الله -سبحانه وتعالى-، وهو أعلى نعيم الدنيا وأعلى نعيم الآخرة لأنه ينظر إلى وجه الله في الآخرة حبًّا له، وإنما يريدون النظر إلى وجه الله -سبحانه وتعالى- لأنهم يحبونه أعظم الحب، فمع الرؤية تكتمل المحبة، فلذلك كان أعلى نعيم الدنيا والآخرة. وقال -رحمه الله-: "منزلة المحبة، وهي المنزلة التي تنافس فيها المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبرَوحِ نسيمها تَرَوَّح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي مَن فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلَّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشقِّ الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي سراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب. تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من محبة محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق -بمشيئته وحكمته البالغة- أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة". قوله -رحمه الله-: "وإليها شخص العاملون"، جاء في لسان العرب: "شَخَصَ من بلدٍ إِلى بلدٍ شُخُوصًا أَي ذَهَبَ"، فمعنى شخَصَ الإنسان: أي خرج من داره في طلب شيء، والمراد أن العاملين يسعون إلى تحقيق حب الله -عز وجل-، فيصيرون بذلك محبين لله، محبوبين له -عز وجل-. وقوله: "وإلى عَلَمِها شمَّر السابقون"، العَلَم: الجبل، ومنه قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ) (الرحمن: 24)، أي: كالجبال، شبَّهَها بالجبل الذي يُرى من بُعْد، فإذا رآه من يطلبه شمَّر عن ساعد الجد واجتهد في الطلب، فإنَّ العبد إذا ذاق محبة الله -سبحانه وتعالى- عمل بأقوى وأشد ما يمكنه، ولم يدخرْ وسعًا أو يألِ جهدًا حتى يصل إلى غايته. وقوله: "وعليها تفاني المحبون" أي: يضحُّون بكل غالٍ ورخيص من أجلها علامة على صدق الحب؛ فإن المحبَّ يبذل كل ما يطلبه محبوبُه، ولو كان أغلى ما عنده، كنفسه وأهله ووطنه، ولا يمكن أن توجد هذه التضحية إلا مع لذة المحبة التي هي أعظم من لذة ما يضحي به، ومن هنا كان المحب الصادق مستعدًّا لأن يجودَ بنفسه وأن يضحيَ بها؛ لأن لذة المحبة هي الدافع له، ولأنه يريد المزيد من القرب من الله -عز وجل- ومحبته. وقوله: "وبرَوحِ نسيمها تَرَوَّحَ العابدون"، يشبِّه العابدين لله -عز وجل- بمن يسير في طريق فيه حر ومشقة وتعب، ولا شك أن الطريق إلى الله -عز وجل- مليء بأنواع العقبات والتكاليف والمشاق؛ (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت: 2)، فهذا كالحَرِّ الذي يصيبُ الإنسان في الطريق، وشبَّه المحبةَ بالنسيم الطيِّب الذي يُريح السائر في هذا الطريق، فبروح هذا النسيم ـ أي: براحته ـ تَرَوَّح العابدون، أي: استراحوا ووجدوا راحة في طريق سيرهم، فهانت عليهم المصاعب والمشاق، وهان عليهم ما يجدونه من آلام وما يجدونه من أنواع المتاعب خلال الطريق بسبب وجود حب الله تعالى في قلوبهم، ومن لم يحب الله -سبحانه وتعالى- فسوف يترك الطريق متى لاقى متاعب أو عقبات، ولكن من أحب الله -سبحانه وتعالى- فلن يترك الطريق مهما كانت العقبات والمتاعب والمشاق. نسأل الله أن يوفقنا لمرضاته. www.salafvoice.com موقع صوت السلف الحب.. وحلاوة الإيمان كتبه/ ياسر برهامي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (رواه البخاري ومسلم)، فحلاوة الإيمان مبنية على المحبة، وبدون المحبة لا يكون للإيمان حلاوة، ولا تُذاق ولا تُوجد في القلب إلا بذاك؛ لأن المسائل الثلاث المذكورة كلها مبنية على المحبة؛ فحب الله هو حب العبادة، وحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- حب عبادة لله؛ لأنه حب في الله، فهم يحبون الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكثر من كل أحد من المخلوقين؛ لأن الله يحب النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم من كل أحد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ الله) (رواه مسلم)، وقال إبراهيم –عليه السلام-: (إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ) (رواه مسلم)، وكذا أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وجَعَل حبَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- مقترنًا بحب الله -عز وجل- مع أنه ليس من جنس حب الله ـ إذ هو ليس عبادة للرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولم يجعله مقترنًا بحب المرء لا يحبه إلا لله؛ لأجل بيان منزلة النبي -صلى الله عليه وسلم، وكذلك لبيان أنه لا يُقبل حب الله ـ إن زعمه زاعم ـ بدون حب النبي -صلى الله عليه وسلم-، أما سائر الخلق فيمكن أن يقع منه خلاف ذلك، كأن يقع بين شخصين مؤمنين بغضاء لأجل شحناء بينهما، لكن لو كره النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد خرج من الملة؛ لأنه لابد أن يحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقدِّمًا له على كل من سواه؛ لأن حبَّه شرطٌ في قبول حب الله -عز وجل-، ولا يصح حبُّ الله -سبحانه وتعالى- بدون حب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لمنزلته العظيمة، ولأنه أساس طاعته -صلى الله عليه وسلم-. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا)، أي: من الآباء، والأبناء، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والوطن، ومن كل شيء، فلا بد أن يكون حبه -صلى الله عليه وسلم- أعظم من حب كل المخلوقين، وأما حب الله فهو وحده حب العبادة، حب مع ذل، وحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وطاعته ذلٌّ وحبٌّ لله -عز وجل- وعبودية له -سبحانه وتعالى-، وليس عبودية للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا أمر ينبغي أن يُتفطن له: أن حبه -صلى الله عليه وسلم- ليس بعبادة له؛ لأنه ليس مع ذلٍّ له، وإنما مع ذلٍّ لله -عز وجل-. وحب المؤمنين تابع لذلك: (وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لله) وذلك لأنه يطيع الله ويحبه، وقد أمر الله -عز وجل- بالحب فيه، وهذه الرابطة الإيمانية العظيمة التي تزول معها كل مشقة وتعب، وبدون الحب في الله تقسو الحياة، ويقسو قلب الإنسان، وتقسو عليه كل العقبات، وتشتد عليه، ولذلك تزيل الأخوة في الله -عز وجل- البأس والحزن، وحب الله -عز وجل- يزيل كل هم وضيق في هذه الدنيا، وحب النبي -صلى الله عليه وسلم- يفتح للقلب ـ كذلك ـ أنواع الخيرات مع اتباعه -صلى الله عليه وسلم-. ولا شك أن هناك فرق بين حبه -صلى الله عليه وسلم- واتباعه؛ لأن اتباعه فرع على محبته -صلى الله عليه وسلم-، فليس كل متبع محبًّا، فالحب هو الحب لا يُفسَّر بغير ذلك، وهو أمر يوجد ويُذاق، وقد تجد من يتبع الهدي الظاهر ونحو ذلك ولكنه لا يكون محبًّا. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)، فكراهية الكفر بعد ذلك من كمال محبة الله -عز وجل-؛ حيث لا يطيق الإنسان الكفر، ولا من يكفر، حتى يكون متألمًا من الكفر، فلو خُيِّر بين أن يُلقى في النار وبين أن يكفر؛ لكان أن يُلقى في النار أحب إليه من أن يكفر. وللحديث عن الحب بقية، نسأل الله أن يرزقنا حبَّه وحبَّ من يحبه، وحبَّ من يقربنا إلى حبه. www.salafvoice.com موقع صوت السلف الحب روح الإيمان كتبه/ ياسر برهامي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ قال ابن القيم –رحمه الله- في المحبة: "منزلة المحبة، وهي المنزلة التي تنافس فيها المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبرَوحِ نسيمها تَرَوَّح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي مَن فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلَّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه". قوله: "فهي قوتُ القلوب" أي: غذاؤها الذي تحيا به، "وغذاء الأرواح" فتنمو وتكبر وتتسع، وتنشرح الصدور بحب الله -سبحانه وتعالى-، "وقرة العيون" إمَّا أنها بمعنى: تستقر، أي: فلا تطمع ولا تتطلع إلى غير ما استقرت به، أو أنها بمعنى تبرد؛ لأن العين الحارَّة باحثة عن شيء فقدته، فإذا وجدته بردت، فكأن الإنسان لا يزال دائرًا يبحث عن شيء يفتقده كما يبحث البدن عن الطعام والشراب، فكذلك القلب الإنساني؛ يظل باحثًا عن حب الله -سبحانه وتعالى-، فإذا وجده استقر ولم يطَّلع إلى ما وراء ذلك. وقوله: "وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات" فكل من لم يجد حبَّ الله -سبحانه وتعالى- فهو ميت، "والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات" فمن لم يذق حبَّ الله -سبحانه وتعالى- لن يبصر حقيقة هذا الوجود ولا مآل هذه الحياة، ولن يعرف أعظم ما يُتلذذ به في هذه الدنيا ثم في الآخرة، وهو الشوق إلى لقائه -عز وجل-؛ لأنه نابع من حبه -سبحانه وتعالى-، ولذة الشوق إلى لقاء الله -عز وجل- من جنس لذة النظر إلى وجهه -سبحانه وتعالى-؛ لأن كلاً منهما ثمرة القرب والمحبة، ومن هنا كانت عبادة الله -عز وجل- ـ والتي أصلها الحب ـ أعظم ما يتنعم به أهل الدنيا، كما أن أعظم ما يتنعم به أهل الآخرة النظر إلى وجهه -عز وجل- والتمتع برضاه، وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعائه بين أعظم لذة في الدنيا وأعظم لذة في الآخرة فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ) (رواه النسائي وصححه الألباني). وقوله: "والشفاء الذي من عدمه حلَّت بقلبه جميع الأسقام"، فحب الله -سبحانه وتعالى- شفاء للقلوب من الأمراض، وبدونها يمتلئ القلب بالكبر والعُجب والحسد والغِل، وينطق اللسان بالغيبة والنميمة والكذب، وتنحط إرادة الإنسان إلى أتفه الأغراض وأخسِّها؛ لأنه لم يذق حب الله -سبحانه وتعالى-، فيصبح القلب محلاً لهذه الأمراض، فتجد الإنسان لا يريد من الدنيا إلا الشهوة أو المال أو الشهرة، ولا يريد إلا الأغراض الخبيثة، فيمرض القلب أعظم المرض بدون حب الله -عز وجل-، وهذا حال القلوب التي لم تعرف طريقًا إلى حب الله -سبحانه وتعالى-. قوله: "واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام"، فمن لم يجد لذة حب الله -سبحانه وتعالى- فلن يجد إلا التعب والشقاء والنكد، ويصير عيشه كله هموم وآلام، حتى وإن وجد اللذات الظاهرة؛ فسعادة الإنسان ليست في اللذات الظاهرة؛ لأنها لا تبقى معه إلا لحظات، مثل لذة الجنس التي يجدها الإنسان ثوانٍ معدودة، وكذلك الطعام والشراب يجد لذته لحظات قليلة وبعدها يَمَلُّ الطعامَ والشرابَ. وكذلك غيرها من اللذات الأخرى التي مردُّها إلى الأمراض القلبية، مثل التلذذ بالشهرة والمدح والرياسة والتكبر على الخلق والجبروت، وهي في الحقيقة آلامٌ،وعلاماتٌ على المرض، وشقاءٌ للإنسان، فيَشقى بها ويُشقِي مَن حوله، وأتعس الناس به من يجاوره، فكيف بنفسه التي بين جنبيه؟! فهو أتعس خلق الله -عز وجل- إذا وُجدت فيه هذه الآلام والأمراض والعياذ بالله، فتلذُّذه أشد ضررًا عليه من تلذذ الجَرِب بحكِّ جسمه، فهو يُمزِّقُ نفسه ليجد بذلك راحة لحظية يزداد بها تقطيعًا لجلده وتعذيبًا لنفسه، وهذه هي حال من ابتعد عن الله -عز وجل- ولم يجد حبَّه -سبحانه وتعالى-. وقوله: "وهي رُوح الإيمان"، شبَّه الإيمان بجسد له رُوح، فكما أن الإيمان هو حياة القلب؛ فكذلك رُوح الإيمان هي المحبة، فبدون المحبة لا يكون هناك إيمان. قال -رحمه الله-: "وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال" فالعمل بغير محبة عملٌ جافٌّ غيرُ مقبول، لا يؤثِّر في صاحبه، فلذلك ينبغي أن تكون هذه الأمور محلَّ اهتمام المؤمن الصادق، لا أن ينحصر اهتمامه في الأعمال الظاهرة فقط دون أن يبحث في قلبه عن أسباب صلاحه وفلاحه، فالعمل بدون حب كالجسد الميت، فكما أن الإيمان رُوحه المحبة؛ فكذلك هي رُوح الأعمال. أما "المقامات والأحوال" فهي أعمال القلوب الأخرى، فالمقام: شيء ثابت، والحال: أمر يأتي على القلب ويذهب، وهو أقرب ما قيل في هذا الاصطلاح، وهو اصطلاح صوفيٌّ في الحقيقة، لكن يمكن أن يُستعمل طالما أن المعنى ثابت، ومقصودهم منه: تفاوت الناس في الأعمال الظاهرة والباطنة، فمنهم من يكون عمله ديمة كما قالت عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً" (رواه البخاري ومسلم)، و"كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ" (رواه مسلم)، فهذا صاحب مقام، ولما سئل -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: (أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ) (رواه البخاري ومسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَبْدَ الله لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ) (رواه البخاري ومسلم). فالحال من التحوُّل، أما المقام فثابت، فصاحب الأحوال من تأتيه لحظات يجد فيها العبادة القلبية، وصاحب المقام من استقرَّ حاله على ذلك، وصار يجد هذا الأمر على الدوام ليلاً ونهارًا، صيفًا وشتاءً، فمن الناس من لا يجد لذة المحبة إلا في رمضان أو في الحج مثلاً. فالمحبةُ بالنسبة إلى المقامات والأحوال وبالنسبة إلى أعمال القلوب الأخرى كالرُوح بالنسبة إلى الجسد، فبدون المحبة لن يكون هناك شكر أو صبر أو محبة أو رجاء أو توكل، ولن توجد أنواع من العبادات، لا أحيانًا ولا على الدوام. www.salafvoice.com موقع صوت السلف التعديل الأخير تم بواسطة نور الدين محمود ; 01-16-2010 الساعة 12:52 AM سبب آخر: تنسيق |
| |||
| كتبه الشيخ/ ياسر برهامي _حفظه الله_ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ قال ابن القيم –رحمه الله- في المحبة :- " وهي مطايا القوم التي سراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب. تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من محبة محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق ـ بمشيئته وحكمته البالغة ـ أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة". قوله -رحمه الله-: " وهي مطايا القوم التي سراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب"، السرى هو سيرُ عامةِ الليل، وهذا لصعوبة السير في وقت نوم الناس، فكذلك السابق إلى الله -عز وجل-، كما في الحديث: (وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلـْجَةِ) (رواه البخاري)، فالدلجة: السير ليلاً، فهذا تشبيه لمن يسير في فترة الظلم والفساد وعلوِّ الباطل بمن يسير في فترة الظلمة، وبعد شروق الشمس سوف يسير كل الناس عندما يدخلون في دين الله أفواجًا، وذلك حين يأتي زمانٌ على الناس يلتزمون فيه بدين الله -عز وجل-، لكنَّ السابقَ من سار ليلاً قبل أن يستيقظ الناسُ، والسابق من عبَدَ الله قبل أن يعبده الناس، والتزم الالتزام الصادق قبل أن يلتزموا، ولذلك سبق المهاجرون الأنصارَ؛ لأنهم أسلموا في فترة الاستضعاف والآلام، وقبل أن يروا في الأفق بوادر الانتصار والتمكين، وكان أقصى ما يتمنونه مكانًا يأوون إليه، فكانت المدينة -مع ما كان فيها من مخاطر- أقل شدة مما كان في مكة في فترة الاستضعاف. فالمحبة للمحبِّ الصادقِ كالمطية التي يركبها، فيسهُل عليه أن يعمل في فترة بُعدِ الناسِ عن الدين، وأن يعمل لله في وادٍ لا يعمل فيه أحدٌ، فتجد الظلام يعم الدنيا والفساد يملأ الأرض والكفر والظلم والنفاق يغشى الناس جميعًا وهو يعمل لله -عز وجل-، يدفعه الحب إلى ذلك، ويسهل عليه أمره فيسير بلا تعب. ومن كان صادقًا في الحب عملَ ولم يلتفت إلى أحدٍ، حتى إن كان الناس جميعًا يسيرون في غير طريقه ولم يجد من يعينه فإنه يسير إلى الله -عز وجل- ويعمل بالإسلام ومن أجله، ولو لم يجد أحدًا يعمل. وقوله: " وطريقهم الأقوم الذي يُبلِّغهم إلى منازلهم الأولى من قريب"، الجنة هي منازل الإنسان الأولى التي لا يزال مشتاقًا إليها، فلا يزال في قلبه دافع يدفعه ويحضه على الرجوع إليها؛ لأن الجنة هي مسكنه الأول، أما الدنيا فإنها لم تكن لحيٍّ أبدًا مستقرًا، وإنما يبقى فيها مدة ثم يرحل. وأقصر الطرق بين نقطتين هو الخط المستقيم، كذلك أقصر الطرق التي تؤدي إلى الجنة ـ المنزل الأول ـ حبُّ الله -عز وجل-، فحبُّ الله -سبحانه وتعالى- هو الصراط المستقيم القصير الثابت الذي يوصلك إلى الجنة، كما قيل: منليبمثلسيركالمدللتمشـيرويدًاوتجيفيالأول يعني أن المحب الصادق هو أول الناس وصولاً إلى ربه -سبحانه وتعالى- في الآخرة، أما غيره فيتخبط في طرق الدنيا الملتوية المليئة بقطاع الطرق، فالمحبُّ يسير سيرًا فيه الراحة في الدنيا، ويوم القيامة ينال أعلى المنازل، وغيره من أهل الدنيا متعبٌ في الدنيا والآخرة. وقوله -رحمه الله-: " تالله، لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من محبة محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق ـ بمشيئته وحكمته البالغة ـ أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة"، عن أنس -رضي الله عنه- أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟)، فقال: لا شيءَ، إلا أنِّي أحب الله ورسوله، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)، قال أنس -رضي الله عنه-: "فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)" (رواه البخاري ومسلم)، فرح الصحابةُ أعظم الفرح حينما سمعوا هذه الجملة من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم يحبون الله -عز وجل- وملائكته ورسله وعباد الله الصالحين، وإن لم يعملوا بعملهم. فإذا كنت صادقًا في الحب فأنت مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وكنتَ مع رب العالمين؛ معيةَ محبة ورعاية وتكريم، ومعية إعزاز وإعلاء؛ فقد قضى الله -عز وجل- بحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، ولذا كان من أعظم الخطر على الإنسان أن يحب الكفرة والظلمة والعصاة، بل قد يدعو بعض الناس إلى حب اليهود والنصارى ومودتهم، ويراهم مؤمنين يشهد لهم بالجنة، ثم لا يخشون أن يكونوا معهم في الآخرة، نسأل الله العافية. والمحبة لا توصف ولا تُعرَّف، إنما يعرفها من وجدها وذاقها، فالمحبة لا تحتاج إلى تفسير، وقد يفسِّرها البعض بالطاعة، وليس بصحيح؛ لأن الطاعة من لوازم المحبة وموجباتها، ولا يكون صادقًا في محبته من لم يُطِع، وإنما المحبة هي المحبة، لا يعرفُها إلا من ذاقها ووجدها، وإنما الذي ينبغي البحث فيه هو أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها؛ إذ الحب أمر يجده الإنسان ويعرفه ويتحقق معناه في قلبه. وللحديث بقية:_بإذن الله_ |
| |||
|
من أسباب المحبة: قراءة القرآن، وتفهم معانيه (1) 6 الشيخ- ياسر برهامي. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ الأسباب الجالبة للمحبة قال ابن القيم -رحمه الله-: "فصلٌ في الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها، وهي عشرة: أحدها: قراءة القرآن بالتدبر، والتفهُّم لمعانيه، وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد، ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه. الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض؛ فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر. الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها، ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة وميادينها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة، ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب. السادس: مشاهدة بره، وإحسانه، وآلائه، ونعمه الظاهرة والباطنة؛ فإنها داعية إلى محبته. السابع: وهو من أعجبها: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات. الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعة لغيرك. العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله -عز وجل-. فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبوب إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب، وملاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة، وبالله التوفيق" ((مدارج السالكين) (3/17- 18)). 1. قراءة القرآن بالتدبر، والتفهم لمعانيه: قوله -رحمه الله-: "أحدها: قراءة القرآن بالتدبر، والتفهُّم لمعانيه، وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد، ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه"، فأفضل ما يجلب لك حبَّ الله -عز وجل- وأعظم ما تجد به حبه في قلبك هو قراءة القرآن بالتدبر، وأخصُّ ذلك أن يكون في الصلاة، فقراءة القرآن في الصلاة أكثر عونًا للعبدِ على التدبر، قال -عز وجل-: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) (ص: 29)، وقال -عز وجل-: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24)، فالتدبر هو المرحلة التالية للفهم، لذلك قال: "والتفهُّم لمعانيه". فالمرحلة الأولى إقامة الحروف وحفظ الكلمات، ثم المرحلة التالية فهم معاني هذه الكلمات، وهو علم التفسير، ثم التدبر وهو أن تقف عند كل آية وكل كلمة، وأحيانًا كل حرف لتتدبر ما فيه؛ فإن دلالات الحروف والكلمات والترتيب كلها يتفاوت فيها الناس، ولا تحصل بمجرد معرفة الكلام، وإنما تحصل بالوقوف عند الآيات بالتدبر والتفكر فيها، وسؤال النفس ما أريد بها، فإن رزقه الله -عز وجل- الفهم والمعرفة فهذا غاية ما يتمناه، وبه يجد الفوائد المتتابعة التي قد تزيد في كل مرة يقرأ فيها الآية، وهذا مع كثرة القراءة، ولذا كان من السلف من يقوم الليل بآية، وسلفهم في ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي ذر قال: "قام النبي -صلى الله عليه وسلم- بآية حتى أصبح يرددها، والآية: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة: 118)" (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني). فتجد الفوائد العجيبة في ترتيب آيات القرآن، ومثال ذلك: قوله تعالى في سورة البقرة: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) الآية (البقرة: 60)، بينما قال -عز وجل- في سورة الأعراف: (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) (الأعراف: 160)، فالانبجاس: الانفجار الضعيف أو بدايته، ففي سورة الأعراف ـ وهي مكية ـ كانت بداية الإخبار بأخبار بني إسرائيل، أما في البقرة وغيرها من السور المدنية كان تمام الإخبار، فناسب الحال لكلٍّ منهما أن تكون الأولى بالانبجاس والثانية بالانفجار، وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- ذلك في كلامه عن آية البقرة حيث قال: "وهذه القصة شبيهة بالقصة المذكورة في سورة الأعراف، ولكن تلك مكية، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص ذلك على رسوله -صلى الله عليه وسلم- عما فعل بهم، وأما في هذه السورة ـ وهي البقرة ـ فهي مدنية، فلهذا كان الخطاب فيها متوجهًا إليهم، وأخبر هناك بقوله: (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) وهو أول الانفجار، وأخبر ههنا بما آل إليه الأمر آخرًا وهو الانفجار، فناسب ذكر الانفجار ههنا، وذاك هناك، والله أعلم" ((تفسير ابن كثير) (1/279)). كذلك في سورة هود حين ذكر عذاب قوم شعيب عندما أساؤوا واستهزؤوا بنبيِّهم، قال -عز وجل- في سورة هود: (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) (هود: 94)؛ لأنهم قالوا: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود: 87) استهزاءً بنبيهم، وأما في سورة الشعراء فحكى الله -عز وجل- عنهم قولهم لنبيهم: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الشعراء: 187)، فناسب أن يكون عذابهم كما قال -عز وجل-: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الشعراء: 189)، فأخذتهم صيحة مرجفة، وعذاب من فوقهم، فذكر في كل موطن العقاب المناسب لجرمهم، وذكر في سورة الأعراف أن شعيبًا؛ قال لهم: (وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف: 86)، فكانوا يخوِّفون أهل الإيمان ويرجفون في الناس لئلا يأتي إلى شعيب؛ آتٍ ممن آمن به، فناسَبَ أن تأخذهم الرجفة كما قال -عز وجل-: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (الأعراف: 91). وقد أشار إلى ذلك ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، فقال في معرض تفسيره لآية سورة هود: "وذكر ههنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة، اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقَمُ كلها، وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا) ناسب أن يذكر هناك الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إخراج نبيهم منها، وههنا لما أساؤوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسب ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) قال: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرًا دائمًا" ((تفسير ابن كثير) (4/347)). وكذلك في قصة موسى؛ أعاجيب من ذلك، فتارة يذكر أحاسيس موسى، وتارة يذكر إلقاء موسى العصا، وتارة يذكر نهاية الأمر بسجود السحرة، وكل موطن يختلف عن غيره، مع وحدة القصة والمضمون، ولكن يختلف السياق في كل مرة. وما زال الحديث موصولاً عن قراءة القرآن وتدبره، وأثر ذلك في جلب المحبة |
| |||
| من أسباب المحبة قراءة القرآن وتفهم معانيه (2) كتبه/ ياسر برهامي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد ذكر ابن القيم –رحمه الله- من الأسباب الجالبة للمحبة: "قراءة القرآن بالتدبر، والتفهُّم لمعانيه، وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد، ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه"، وما زلنا مع الكلام عن تفهم معاني القرآن، وقد وقفنا على بعض الأمثلة على ذلك. وكذلك متى تقرأ أدعية الأنبياء ومحاوراتهم مع أتباعهم وتتدبر فيها متفهمًا معانيها؛ ترى ما فيها من الأدب مع الله -عز وجل-، فحينما طلب الحواريون من عيسى؛ ما قاله الله -عز وجل- عنهم: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) فكأن عيسى؛ فزع من هذا الطلب، فلذا أجابهم بقوله كما قال الله -عز وجل- عنه: (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة: 112)؛ لأن الإيمان ينافي مثل هذا السؤال، فقالوا: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة: 113)، فأول ما أرادوه هو الأكل، فذكروه قبل قولهم: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا)، فهذا يدل على بُعدهم عن الله -عز وجل- وضعف اهتمامهم؛ لأنهم أخَّروا أمر الآخرة إلى ما بعد الأكل، فمن كان يريد أن يطمئنَّ قلبه فعليه أن يبحث عما يطمئنه أولاً، لا أن يهتم بالأكل ثم تأتي طمأنينة القلب بعد ذلك. ثم قالوا: (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا)، وهذا يدل على نقصان حالهم، فهذا الطلب طلب جاهل، ولولا الجهل لكفروا، ولذلك قال لهم عيسى -عليه السلام-: (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة: 112)، وحينما طلب عيسى؛ من ربه -عز وجل- إنزال المائدة وخشي عليهم أن يُفتنوا قال كما قال -عز وجل- عنه: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المائدة: 114)، فتوسَّل إلى الله -عز وجل- طالبًا الأمر الإيماني أولاً؛ إذ الأعياد مرتبطة بالعبادة، فالعيد عبادة وسعة، لذلك حرم صوم يومي العيدين، لكن يُسبقان بالصوم وجوبًا أو استحبابًا ويختصان بالذكر، كما قال تعالى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (البقرة: 185). ثم قال عيسى –عليه السلام-: (وَآيَةً مِنْكَ)؛ لأنهم يَصِلُون بهذه الآية وبالآيات المصاحبة لنزول المائدة إلى الطمأنينة، كما أنها هي المطلوب الأول لعيسى–عليه السلام-؛ لأن مقصوده العبادة، فعلَّمهم ترتيب الطلب، ثم جاء طلب الأكل في آخر الدعاء مجملاً لا مفصلاً حيث قال: (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، فتأمَّل الأدب الرفيع العالي في كلام عيسى–عليه السلام-. ومثل ذلك كثيرٌ جدًّا لمن يتدبر القرآن، فهذا مثالٌ يبين الفرق بين التدبر والتفهم، فالتفهم للمعنى في (فَانْبَجَسَتْ) أن تعرف أن معناه أول النبع وبداية الانفجار، أما (فَانْفَجَرَتْ)، ففيه خروج الماء بقوة، فهذا مثال التفهم لمعانيه، وهكذا في كل المعاني أن تعرف المعنى ثم تتدبر فيه بعد ذلك. قوله -رحمه الله-: "وما أُريد به" أي: أن تعرف أن هناك أمرًا مقصودًا ومرادًا من وراء هذه الآية فتتفهمه، "كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه" يريد الوقوف على كل كلمة والتفكر فيها لتعرف المقصود منها؛ "ليتفهم مراد صاحبه منه"، فالمطلوب أن تقف مع آيات القرآن آية آية، وليس معرفة التفسير فحسب، فضلاً عمن لا يقرأ التفسير، فضلاً عمن لا يقرأ القرآن أصلاً ـ نسأل الله العافية ـ، ثم بعد كل هذا يسأل المرء لماذا لا يجد هذا الحب؟! فالقرآن هو الكنز الذي لا يفنى في هذا الباب، وكلما قرأتَ أكثر كلما وجدتَ الحب، ولا شك في ذلك؛ فكل من قرأ القرآن لابد أن يحب الله -عز وجل- من كل قلبه، وقد عرف أهل الإيمان أنه لا يوجد طريق يوصِّل إلى الله -عز وجل- أو يحببهم فيه مثل القرآن؛ فقد جربوا وعرفوا، فصار الأمر عندهم قطعيًّا كمعرفتهم أن الأكل والشرب سبب لحياة الأبدان، وهذا أمر لا يقبل المنازعة عند أهل الإيمان. فإن قال قائل: "قد قرأت القرآن فلم أجد هذه المحبة؟"؛ نقول: إن ذلك إنما حدث لأنه لم يتدبر القرآن بعدُ، ولم يتفهمه، بل ربما لم يقم حروفه، أو لم يقرأه أصلاً، أو قرأه هذًّا بحيث لا يفقه ما يقرأه ولا يعيه، وما فائدة كثرة القراءة مع عدم التدبر؟! وقد أنكر ذلك عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، فعن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نَهِيك بن سِنَان إلى عبد الله، فقال: "يا أبا عبد الرحمن، كيف تقرأ هذا الحرف، ألفًا تجده أم ياءً: (مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أو (مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ)؟"، قال: فقال عبد الله: "وكُلَّ القرآن قد أحصيَت غير هذا؟"، قال: "إني لأقرأ المفصل فى ركعة"، فقال عبد الله: "هذًّا كهذِّ الشعر، إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع فى القلب فرسخ فيه نفع" (رواه مسلم). وقال -رضي الله عنه-: "لا تهذُّوا القرآن كهذِّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقِفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب" (رواه البيهقي في الشُّعب)، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه، فلا ينشغل بمشاكل الحياة وهمومها عن القرآن وتدبره؛ فمشاكل الدنيا لا تنقضي ما بقي الإنسان على ظهر هذه الأرض. قال خباب بن الأرت -رضي الله عنه- لرجل: "تقرَّب إلى الله ما استطعتَ، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيءٍ هو أحبُّ إليه من كلامه". وقال عثمان -رضي الله عنه-: "لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم". وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله". وللحديث بقية بإذن الله مع بقية الأسباب الجالبة لمحبة الله –عز وجل-. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| للشيخ, نتحدث, الحب, برنامج, ياسر, سلسلة |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| عن الحب نتحدث | مالى ولدنيا | طريق الرسول للعقيدة | 5 | 02-11-2010 09:15 AM |
| موسوعة الفتاوى الصوتية للشيخ ياسر برهامي | نور الدين محمود | منتدى طريق الرسول للصوتيات الإسلامية | 15 | 12-18-2009 05:32 PM |
| تأملات في المسألة الكروية للشيخ ياسر برهامي | نور الدين محمود | طريق الرسول للدعوة إلى الله | 1 | 11-27-2009 07:22 PM |
| للشيخ ياسر برهامي رأي أخر في قول عمرو خالد الشيطان لم يكفر | عبد الله القاضي | المقاطع المميزة | 1 | 07-30-2009 10:54 PM |
| لواجب على المسلمين نحو غزة للشيخ ياسر برهامي | نور الدين محمود | منتدى طريق الرسول للمرئيات الإسلامية | 0 | 01-02-2009 09:08 AM |
| أقسام المنتدى |
| ركن الدعوة إلى الله @ قسم الصوتيات والمرئيات الإسلامية @ المنتدى الإسلامي العام @ منتدى العلم الشرعي @ قسم الفتاوى والاستشارات @ الساحة التقنية @ المنتديات الخاصة @ منتدى طريق الرسول العام @ الإعلانات الإدارية لمنتدى طريق الرسول @ إعجاز القرآن @ تجويد القرآن @ طريق الرسول للفقه @ طريق الرسول للدعوة إلى الله @ طريق الرسول للسير والتراجم والتاريخ الإسلامي @ أخوات طريق الرسول العام @ فضفضة الأخوات @ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين @ منتدى طريق الرسول للفتاوى المنقولة @ طريق الرسول للقرآن الكريم وعلومه @ منتدى المطبخ والمأكولات @ السيرة النبوية @ سيرة الصحابة وتراجم السلف @ طريق الرسول للحديث والأثر @ طريق الرسول للرد على الفرق الضالة @ منتدى طريق الرسول للإعجاز في الكتاب والسنة @ إعجاز السنة النبوية @ قصص الأنبياء @ منتدى طريق الرسول للصوتيات الإسلامية @ منتدى طريق الرسول للمرئيات الإسلامية @ منتدى الترحيب والمناسبات @ أنت تسأل والشيخ يجيب @ تراجم العلماء والدعاة المتأخرين @ غرفة طريق الرسول الصوتية @ طريق الرسول للعقيدة @ درس شرح البيقونية @ درس شرح الأصول الثلاثة @ الشيخ مصطفى العدوي @ طريق الرسول للتعريف بالإسلام والرد على الأديان الأخرى @ منتدى طريق الرسول للكمبيوتر والإنترنت @ جوال طريق الرسول @ منتدى طريق الرسول للتصميم والجرافكس @ مكتبة طريق الرسول للكتب والبحوث والمخطوطات @ دروس طريق الرسول العلمية @ منتدى طريق الرسول للغة العربية @ دروس حفظ وتجويد القرآن @ تفريغ دروس اللغة العربية @ قناة الحكمة @ قناة الناس @ قناة الرحمة @ روضة أخوات طريق الرسول @ أنت تسألين وطبيبة النساء تجيب @ ركن الواجبات @ تسجيلات قرآنية @ الشيخ عبد الله القاضي @ شرح القواعد الأربعة @ علم الحديث @ منتدى الحديث @ شرح القواعد الستة @ منتدى طريق الرسول للاسطوانات الإسلامية @ شباب المستقبل @ خيمة طريق الرسول الرمضانية @ سواعد منتدى طريق الرسول @ التاريخ الإسلامي @ منتدى طريق الرسول الإعلامي والقضايا المعاصرة @ مرئيات المشايخ المجمعة @ مرئيات الأفلام الوثائقية والمناظرات @ مرئيات الفضائيات الأخرى @ المقاطع المميزة @ قاعة مناسبات منتدى طريق الرسول @ قنوات المجد الفضائيات @ طريق الرسول للحج وأيام العشر @ الشيخ محمد الصاوي @ الشيخ علي قاسم @ الشيخ أبي الحارث @ الشيخ هاني حلمي @ الدكتور حازم شومان @ الشيخ أحمد جلال @ قناة صفا @ الدورة العلمية الكبرى @ شرح نظم الورقات @ شرح التحفة السنية في شرح الأجرومية @ شرح مختصر معارج القبول @ شرح الباعث الحثيث @ التفسير للشيخ مصطفى العدوي @ شرح بداية المتفقه @ شرح القواعد الفقهية @ تفريغ دروس شرح بداية المتفقه @ تسجيلات مسجد عمر بن الخطاب @ تفريغ دروس شرح القواعد الفقهية @ أرشيف الفتاوى المجاب عليها @ تفريغ دروس التفسير للشيخ مصطفى العدوي @ تسجيلات الشيخ خالد منصور @ تسجيلات مسجد التقوى @ تفريغ دروس شرح مختصر معارج القبول @ قسم الأطباق الرئيسية @ قسم المقبلات والسلطات @ قسم المعجنات @ قسم الحلويات @ قسم المشروبات والمثلجات @ تفريغ دروس الباعث الحثيث @ اسأل استشير @ تسجيلات الشيخ إبراهيم الحماحمي @ منتدى طريق الرسول للأسرة المسلمة @ قسم الواجبات @ تسجيلات مدينة بلقاس @ الفتاوى المرئية @ تسجيلات الشقيري الإسلامية @ قناة الخليجية @ تسجيلات مسجد الحرمين بالسويس @ منتدى طريق الرسول للطب والصحة العامة @ المشغولات اليدوية والتدبير المنزلي @ مجلة طريق الرسول @ فتاوى المرأة المسلمة @ طب القلب والأوعية الدموية @ طب الباطنة والكبد والجهاز الهضمي @ طب الأطفال @ طب المخ والأعصاب والأمراض النفسية @ طب الأمراض الجلدية @ طب الأمراض الصدرية @ طب الأورام @ طب العظام @ الطب البديل والعلاج بالأعشاب @ القسم الطبي العام @ الاستشارات والنصائح الطبية @ Rasoolway English Islamic forum @ أين قلبك ؟! @ rassoul chemin pour appeler le français @ |
![]() | ![]() | ![]() |